الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا تذييل ، وهو تنهية للغرض الذي ابتدئ من قوله : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ الإسراء : 66 ] الراجع إلى التذكير بنعم اللّه تعالى على الناس في خلال الاستدلال على أنه المتصرف الوحيد ، وإلى التحذير من عواقب كفران النعم . وإذ قد ذكر في خلال ذلك فريقان في قوله : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ الآية [ الإسراء : 71 ] ، وقوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] . ولما في كلمة ( كل ) من العموم كانت الجملة تذييلا . وتنوين كُلٌّ تنوين عوض عن المضاف إليه ، أي كل أحد مما شمله عموم قوله : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] وقوله : وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] وقوله : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ [ الإسراء : 83 ] . والشاكلة : الطريقة والسيرة التي اعتادها صاحبها ونشأ عليها . وأصلها شاكلة الطريق ، وهي الشعبة التي تتشعب منه . قال النابغة يذكر ثوبا يشبه به بنيات الطريق : له خلج تهوي فرادى وترعوي * إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل وهذا أحسن ما فسر به الشاكلة هنا . وهذه الجملة في الآية تجري مجرى المثل . وفرع عليه قوله : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا وهو كلام جامع لتعليم الناس بعموم علم اللّه ، والترغيب للمؤمنين ، والإنذار للمشركين مع تشكيكهم في حقية دينهم لعلهم ينظرون ، كقوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً الآية [ سبأ : 24 ] . [ 85 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 85 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 ) وقع هذه الآية بين الآي التي معها يقتضي نظمه أن مرجع ضمير يَسْئَلُونَكَ هو مرجع الضمائر المتقدمة ، فالسائلون عن الروح هم قريش . وقد روى الترمذي عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل عنه ، فقالوا : سلوه عن الروح ، قال : فسألوه عن الروح ، فأنزل اللّه تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية . وظاهر هذا أنهم سألوه عن الروح خاصة وأن الآية نزلت بسبب سؤالهم . وحينئذ فلا